الناطق عبر الازمان
مقالات
فريق التحرير
١٦ فبراير ٢٠٢٦

الناطق عبر الازمان

معالي الاخ/ عبدالله بشارة قرأتُ مقالكم المطوّل عن معالي وزير الخارجية الجديد الشيخ/ جراح جابر الأحمد الصباح، وما تضمنه من استدعاء واسع لتاريخ الدبلوماسية الكويتية ومراحل تشكّلها الأولى، ولا شك انكم سفير سابق ذو تجربة طويلة، وشاهد على حقبة تأسيسية مهمة في مسيرة الدولة.

غير أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن هذه الخبرة – على قيمتها التاريخية – تعود إلى زمن بعيد؛ إذ ابتعدتم عن العمل داخل وزارة الخارجية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي. وخلال أكثر من أربعة عقود، تغيّرت الدولة، وتبدّلت طبيعة العمل الدبلوماسي، وتحوّلت أدوات النفوذ والعلاقات الدولية، وتبدّل شكل الإدارة داخل الوزارة نفسها. ومن هنا، فإن مقاربة واقع وزارة الخارجية اليوم بذات الأدوات الذهنية والتصورات التي حكمت مرحلة الستينيات والسبعينيات لا تعكس بدقة ما آلت إليه المؤسسة، ولا ما تواجهه من تحديات معاصرة.

كما أن الحديث عن وزير خارجية شاب، بعمر أحفادكم تقريباً، بهذا الأسلوب الاحتفائي الأبوي المطوّل، لا يخدم المقال ولا الوزير ولا صورة الدولة. فالدول لا تُدار بالوصايا العاطفية ولا بالخطاب التمجيدي، بل بمعايير الأداء والحوكمة والقدرة على القيادة واتخاذ القرار. “ما هكذا تُورد الإبل” يا ابا معتز، ولا تُبنى هيبة المنصب ولا مكانة الوزير عبر مقالات الإطراء، بل عبر سياسات واضحة وإدارة رشيدة ومواقف عملية.

ولا خلاف على أن معالي الوزير شخص ملتزم في عمله، ويتمتع بأدب وظيفي وانضباط إداري، غير أن الالتزام وحده لا يصنع قائداً. فالرجل لم يُعرف له دور قيادي حقيقي داخل الوزارة قبل تصعيده السريع من موقع مستشار إلى سفير، ثم إلى قمة الهرم الإداري. وتجربته السابقة وكيلاً للوزارة، لمن عايش تفاصيل المرحلة، لم تكن مبشّرة من حيث إدارة الموارد البشرية، إذ لم يُحسن الاستناد إلى الكفاءات المهنية المتراكمة داخل ديوان عام الوزارة، واعتمد في مواقع مؤثرة على أسماء تفتقر إلى الخبرة القيادية المؤسسية، وهو ما يثير القلق بشأن قدرته على إدارة مؤسسة بحجم وزارة الخارجية وتعقيداتها.

أما استدعاء التاريخ الدبلوماسي للكويت بهذا الأسلوب المكرر، واستعادة سردية “مدرسة الشهامة والسخاء” و”الدبلوماسية الأخلاقية”، فهو خطاب جميل في سياقه التاريخي، لكنه لم يعد كافياً وحده لمواجهة واقع دولي وإقليمي متحوّل، شديد التعقيد، تحكمه اليوم معادلات القوة والمصالح والشبكات متعددة الأطراف، وتفرض على الوزارة متطلبات جديدة في الإدارة، والتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، وبناء القدرات، وتحديث أدوات العمل الدبلوماسي. إن التحديات الراهنة لا تُدار بالحنين إلى الماضي، بل برؤية مؤسسية حديثة، ونَفَس إداري قيادي قادر على الإصلاح الداخلي قبل أي خطاب خارجي.

لقد بلغنا جميعاً مرحلة ينبغي فيها أن يكون النقد صريحاً، والحديث واقعياً، بعيداً عن المجاملة والتقديس. وأختم بالقول، مع كامل الاحترام لشخصكم وتجربتكم.

لقد بلغتَ من الكِبَر عتيّاً يا ابا معتز، وربما آن الأوان أن تتخلّى عن دور “الناطق باسم كل عصر وكل زمان”، وتترك مساحة الحكم على التجربة الراهنة لمن يعيشها ويكتوي بتحدياتها يومياً.