
ثالوث المؤامرة على الشعب
ليس أكثر إيلاماً على الشعوب من أن تصل إلى لحظة تشعر فيها أن الأبواب جميعها قد أُغلقت: باب السلطة حين يتحول الحاكم والحكومة إلى عدو، وباب العدالة حين يفقد الناس ثقتهم باستقلال القضاء ونزاهته، وباب التمثيل الشعبي حين يتراجع من يفترض أنهم حملوا أصوات الأمة إلى الصفوف الخلفية بحثاً عن السلامة.
وهذا هو حال الكويت اليوم، في نظر كثير من أبنائها، أن الشعب أمام ما يمكن تسميته «ثالوث المؤامرة على الشعب»: سلطة تتسع صلاحياتها على حساب الحياة الدستورية، ومؤسسة قضائية يُطعن في استقلال أحكامها، ونخبة نيابية سابقة يرى البعض أنها لم ترتقِ إلى مستوى اللحظات التاريخية.
هذه ليست قصة أفراد فقط، بل قصة دولة ومؤسسات ومجتمع بأكمله.
الأول: الحاكم الذي اتسعت في عهده دائرة السلطة
منذ انقلاب سموه في مايو 2024 وتعليق الدستور لمدة تصل إلى أربع سنوات، انتقلت مهام وصلاحيات السلطة التشريعية إلى الأمير والحكومة.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً أمام الشعب ليس فقط: لماذا اتُخذ القرار؟ بل: إلى متى يمكن أن تستمر الدولة في إدارة شؤونها من دون مجلس منتخب؟
فالبرلمان، مهما كانت عيوبه، لم يكن مجرد مبنى أو خمسين مقعداً. كان إحدى الأدوات التي يستطيع المواطن من خلالها أن يرى السلطة التنفيذية تحت الرقابة والمساءلة.
يمكن للحاكم أن يرى في الصدامات البرلمانية تعطيلًا للدولة، ويمكن لمؤيديه أن يروا في تعليق الحياة النيابية ضرورة لإعادة ترتيب النظام السياسي. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح علاج أزمة المؤسسات هو إضعاف المؤسسات نفسها، وكذلك تناسى أن كثيراً من الصدامات مع البرلمان كانت مخططة من قبل الحكام السابقين لشيطنة البرلمان أمام الشعب.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا يسمح أن يختلف فيها أحد مع الحاكم؛ الدولة القوية هي التي تستطيع أن تستوعب الاختلاف من دون أن تتحول الخلافات السياسية إلى أزمة وجودية وإقصاء وعداوة.
الثاني: القضاء في مرمى الثقة
القضاء هو آخر ما ينبغي للمواطن أن يفقد ثقته به، فإذا اختلف المواطن مع الحكومة، بقي القضاء هو الملجأ. وإذا اختلف مع البرلمان، بقي الدستور هو المرجع. وإذا شعر أن السلطة تجاوزت حدودها، بقيت المؤسسات المستقلة هي الضمانة.
لهذا فإن أي اتهام للقضاء بالفساد أو التواطؤ ليس اتهاماً عادياً؛ إنه يضرب في صميم فكرة الدولة. ولا يجوز مطالبة المجتمع بالصمت عندما تتراكم لديه أسئلة حول حقيقة استقلال القضاء أو توقيت الأحكام التي تنصب كلها في اتجاه واحد وعقوبة موحدة على كل من تخاصمه السلطة.
وقد شهدت الكويت منذ انقلاب سموه على الدستور أحكاماً قضائية بحق نواب سابقين وناشطين على خلفية قضايا تتعلق بالتعبير والنشاط السياسي. ومن المبررات التي يراها الناس لعدم استقلالية القضاء أن القضاء نفسه أصبح يخالف المبادئ الأساسية للقانون، فأصدرت المحكمة عقوبات بتطبيق القانون بأثر رجعي، مما يصم هذه المحاكم وكأنها نسخة عن محاكم التفتيش في بلاد الأندلس بعد سقوطها، فالإدانة ثابتة حتى بدون دليل.
ولهذا فإن مقياس استقلال القضاء لا يُقاس فقط بما تقوله السلطة عن القضاء، ولا بما يصرح به كبار القضاة عن أنفسهم، وإنما بمدى قدرة القضاء على إقناع الشعب بأن الجميع سواسية أمام القانون، ولا توجد أحكامه معدّة سلفاً قبل المداولة.
الثالث: نواب الأمس... أين رجال الدولة؟
أما الحلقة الثالثة في هذا الثالوث فهي الأكثر مرارة.
لقد كشفت الأزمة الحالية، في نظر منتقدي التجربة البرلمانية، سؤالاً قاسياً: أين النواب السابقون الذين كانوا يتحدثون باسم الأمة؟
كان كثيرون منهم يتقدمون الصفوف عندما كانت المعارك السياسية تجري تحت أضواء البرلمان، وكانت المنابر مفتوحة، وكانت تكلفة الموقف السياسي أقل مما هي عليه اليوم.
فنتذكر مظاهرات «كرامة وطن» التي انطلقت بحجة صدور مرسوم تعديل آلية التصويت في الانتخابات من ٤ أصوات إلى صوت واحد فقط للناخب، وأن المرسوم صدر من الحاكم مباشرة وليس عبر مجلس الأمة، متذرعين بأنه تعدٍّ على الدستور وتهميش للمجلس، ولكن السنوات أثبتت أن دعوة النواب للمظاهرات كانت محاولة لحماية كراسيهم ومصالحهم الشخصية، لأنه عندما تغيرت قواعد اللعبة، وانقلب المشهد السياسي، وأصبح الموقف أكثر كلفة، اختفى كل الأعضاء السابقين واختاروا الصمت، ما عدا النائب البطل وليد الطبطبائي، الذي جهر بكلمة الحق بوجه السلطان الجائر في نفس يوم الانقلاب على الدستور.
وهذا يقودنا إلى السؤال: هل كان من وصلوا إلى مجلس الأمة رجال دولة، أم كانوا مجرد انتهازيين نجحوا في زمن الرخاء والظروف المواتية؟
رجل الدولة الحقيقي لا يُختبر عندما تكون الظروف سهلة.
يُختبر عندما يصبح الموقف مكلفاً.
يُختبر عندما يخسر المنصب.
يُختبر عندما يصبح الصمت أكثر أماناً من الكلام.
ويُختبر عندما يكون الدفاع عن المبدأ لا يجلب له مقعداً انتخابياً ولا شعبية ولا حماية.
ولذلك فإن الأزمة الحالية لا تختبر السلطة وحدها؛ إنها تختبر أيضاً المعارضة، والنواب السابقين، والنخب السياسية، والمجتمع المدني، وكل من ادعى يوماً أنه يحمل مشروعاً للدولة.
الكويت لا تحتاج إلى أبطال موسميين
ربما تكون أهم نتيجة للأزمة الحالية أنها أسقطت الكثير من الأقنعة.
فقد أصبح من السهل معرفة من يتحدث عندما تكون الكلفة منخفضة، ومن يتحدث عندما تكون الكلفة مرتفعة.
وأصبح ممكناً التمييز بين السياسي الذي يرى العمل العام مشروعاً طويل الأمد، وهم يُعدّون على أصابع اليد، والسياسي الذي يرى المقعد النيابي نهاية المطاف، وهم الغالبية.
الكويت لا تحتاج إلى نواب يرفعون أصواتهم فقط. ولا تحتاج إلى معارضة تبحث عن التصفيق.
ولا تحتاج إلى سلطة ترى كل رقابة تهديداً.
ولا تحتاج إلى قضاء أعضاؤه جل اهتمامهم التقرب لأصحاب النفوذ وتوريث الوظيفة ذاتها لأفراد عائلته لاستمرار المنافع والواجهة الاجتماعية.
الدولة تحتاج إلى رجال دولة؛ رجال دولة في الحكومة، ورجال دولة في البرلمان، ورجال دولة في القضاء، ورجال دولة في المعارضة.
رجل الدولة ليس من ينتصر في معركة سياسية.
رجل الدولة هو من يحافظ على الدولة عندما يخسر المعركة.
الخاتمة: عندما يُخذل الشعب من الجهات الثلاث
«ثالوث المؤامرة على الشعب» ليس حكماً قضائياً على أشخاص، ولا اتهاماً قانونياً لمؤسسات، بل هو توصيف لشعور يتنامى لدى مواطن يرى أن السلطة ابتعدت عن التوازن الدستوري والعدل والمنطق، وأن الثقة في القضاء تواجه أسئلة صعبة، وأن كثيراً ممن كانوا يقدمون أنفسهم بالتحدث باسم الأمة أصبحوا صامتين.
الشعوب لا تعيش على الخذلان، والدول لا تنهض بالندم على الماضي.
وإذا كانت الأزمة قد كشفت ضعفاً في السلطة أو القضاء أو النخبة السياسية، فإن قيمتها الوحيدة هي أنه بانتهاء هذا العهد، وإذا رغب الشعب في بناء نظام سياسي أكثر استقراراً، ومؤسسات أكثر استقلالاً، ومساءلة أكثر وضوحاً، ونخبة سياسية تعرف أن التاريخ لا يسألها عما قالته في زمن الرخاء، بل عما فعلته عندما أصبحت الكلفة باهظة.
فالحاكم يموت.
فالمنصب يذهب.
والحكومة تتغير.
والبرلمان يُحل.
والسياسيون يتقاعدون.
لكن الدولة تبقى.
ومن يخدم الدولة فعلاً هو من يعرف أن سلامته الشخصية ليست أغلى من مستقبل وطنه، وأن المبدأ الذي لا يصمد في زمن الخوف لم يكن مبدأً من الأساس.
