
حين يزني الولي بمحارمه!
دستور الكويت عرضها، لا تمس مواد الوثيقة ولا يستباح رسمها؛ أعراف اقتضت تلك الحرمة غير المكتوبة، وسيرورة ثبتتها، حتى غدت عقيدة يربو عليها الصغير ويهرم عليها الكبير. وإذا كان في الدولة الصغيرة -إلى عهد لم يمتد- صوت يُلَعْلع بكسر هذا المحرم واقتحام هذا التابو، فإنه صوت المطالبة بالتنقيح ليصير النظام ملكية دستورية، توقًا إلى رئيس وزراء تفرزه الإرادة الشعبية تحت تلك القبة المصادرة.
ومن المفارقات أن تراها، مع كل هذه الحرمة، ينتهك أولياؤها حماها بلا حرمة؛ فأنى يعد الغيور غيورًا، إن هو صان عن العامة عرضه، ثم ارتد يزني بمحارمه؟!
بوقاحة، فض ابن سالم بكارة المخدرة وصيرها ثيبًا، ثم جاء ابن أحمد ليذوق عسيلتها، وما إن انقضى عهد نواف، حتى جاء مشعل ليدوس على ما تبقى من ستر مهدور!
كانت المطالب لطيفة: مزيدًا من النظام البرلماني، وإشهارًا للأحزاب، وتعددية سياسية، وحكومة منتخبة، أملًا في رفع الانسداد، ومحو التهجين، وترميم التشويه، وإكمال الحلقة الديمقراطية.
نعم، كانت المطالب لطيفة، ولم تعد لطيفة، بعد أن ديس العقد واغتيل الميثاق المبرم، والفاعل هو الحاكم لا المحكوم، بإرادة منفردة؛ فهل من سمع بعد هذا أو طاعة؟
على هناته وعلاته، كان البرلمان بر أمان، وإن فاحت من أعراسه الديمقراطية روائح منتنة، وكانت مخرجاته مأزومة بالطائفية والقبلية والفئوية، فقد ظل ملاذًا.
على ثغراته وعوراته، كان البرلمان بر أمان، يطوف أمانه من جبلة، ويمتد شمالًا نحو العبدلي، وجنوبًا إلى النويصيب، وغربًا عبر السالمي، حتى الصليبية وتيماء -أوكار البدون ومهاجعهم- قد استظلتا هما أيضًا بخيال قبته.
فلنفترض موت مسند الإمارة حتف أنفه، مذنبًا غير تائب ولا آيب، الآن وبلا مقدمات، ونادى مجلس الوزراء ولي عهده أميرًا للبلاد؛ أين سيؤدي اليمين الدستورية ولا مجلس قائم؟ وكيف سيرشح الأمير الجديد وليًا للعهد الجديد، وكيف سيبايع؟ ماذا لو مات الاثنان معًا، اليوم ودونما تمهيد، وانتقلت السلطة لمجلس الوزراء، فمن سيمنح صك الشرعية للخلف بعد السلف؟
لعمري، إن لهذا المجلس المَقْرُود حُوْبَة، الله وحده أعلم بزلزال آثارها!
المشهد اليوم ليس إلا بالوعة طفحت بخراها؛ ديكتاتورية سيكوباتية بلا أسطورة، فلا هي كاريزمية كناصر، ولا كرنفالية كالقذافي، ولا بوليسية كحافظ، ولا استعراضية كصدام، بل استقواء باهت على الشعب، بلا جاذبية ولا ذكاء في المناورة، بل لا شيء فيها يثير الإعجاب!
زمن ولى، فقد سقطت ورقة التوت، وجاء عصر تخلع فيه الأسقف بعدما كان الرجاء إعلاؤها؛ عهد جديد سيدرك فيه أبناء الكويت زيف تلك المنظومة كلها؛ فلا تلك الوثيقة المشوهة عرض الغالية، ولا المنقلبون عليها حماتها؛ سيعلم أبناء كاظمة حين ينجلي الغبار: أفرس كان يحكمهم أم حمار!
