
حين يُصبح الدين خادماً للحاكم
الشرع لم يأتِ لتخويف الناس و سلب حقوقهم، و رغم أن غالبية الدول اليوم لا تحكم وفق الشريعة الإسلامية، ولم يصل حكامها إلى سدة الحكم وفق شروط البيعة الشرعية، بل ولا يمتلكون الشروط والصفات التي حددها الفقه الإسلامي ليكون الشخص حاكمًا شرعيًا و التي من ضمن شروطها أن يكون عليماً بأحكام الشريعة قدر الإمكان أو يستعين بأهل العلم والحل والعقد ( هل تعرفون حاكم عربي درس الشريعة او على علم بها بشكل موثق؟؟؟) . ومع ذلك فلا تعرف هذه الحكومات من الشرع الإسلامي كله إلا نغمة واحدة: أن أي مطالبة بحق هي "خروجٌ على الحاكم"! و كأن غاية الشرع هو عبادة الحاكم !!!!
هنا تبرز خطورة «علماء السلاطين» على عامة الناس ؛ إذ يأخذون أحكامًا شرعية نُهِيَ فيها أصلًا عن الفوضى والقتال المسلح، ويوسّعون مفهومها بعمدٍ ليشمل أي مطالبة بالعدل أو رفع الظلم. فتراهم يُصوّرون للناس أن مجرد المطالبة بحقٍ مغصوب، أو رفع الصوت ضد الفساد، هو جريمة و خروج ، وأن الصبر على الجوع والفقر وضياع الكرامة و هتك الأعراض وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق هو أعلى درجات التدين. وهذا تشويه لجوهر الدين و لرسالته؛ فالإسلام جاء لإقامة القسط وحفظ حقوق العباد.
حذر رسول الله ﷺ من نموذج بشرِيّ يمتلك الأدوات ويميل بها عن الحق، فقال: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمَّتي كُلُّ منافقٍ عليمِ اللسانِ». وفي لفظٍ آخر : «أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضّلين». فالخطر الأكبر على الأمة لم يكن يوماً من الجاهل المعترِف بجهله، بل من صاحب اللسان الفصيح والعلم العريض، الذي يصوغ الباطل في قالب حق، ويُلبس التضليل رداء الشريعة، ولعل من أخبث أساليب هؤلاء المضلين وأشدها خطورة، ليس مجرد اختراع الأقوال المكذوبة، بل «تزييف نسبة الأقوال و مكانها و ظروفها و حتى الصاقها بغير قائلها». فعندما تُنزع العبارة من صاحبها الأصلي وتُنسب إلى عالمٍ آخر له مكانة عظمى وهيبة راسخة في نفوس الجماهير، فلم يكون الهدف العلم الشرعي ، بل لتوظيف العبارة بما يخدم مصالح الحاكم او مصالح هولاء المنافقين تزلفا للحاكم و خداع العامة .
ومن أبرز الأمثلة العبارة الشهيرة: «لو أن لي دعوة مستجابة لجعلتها في السلطان»؛ التي يواظب المقربون من الحكام على تكرارها ونسبتها زوراً للإمام أحمد بن حنبل، لاستغلال رمزيته والتأكيد على أنه رغم ما تعرض له من ظلمٍ وعذاب وسجن، فإنه ظل يدعو للحاكم وهو في سجن المحنة. والمفارقة هنا تكمن في أن صيغة المقولة نفسها تبدأ بـ «لو» الدالة على الامتناع والشرط (أي احتمالية الفرض لا الجزم بالوقوع فعلًا)، ورغم كل هذا التوظيف الـمُوجَّه والتأويل المتكلف، فإن المصادر التاريخية والأسانيد الثابتة تعود لتنقض هذه النسبة أصلاً، وتروي العبارة عن الإمام الفضيل بن عياض (كما أخرجها أبو نعيم في الحلية والشيرازي في طبقات الفقهاء).
وهنا نصل إلى مفترق طرق منهجي لا مناص منه أمام هذا اللبس بين كلام ينسب لعالمين جليلين (إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، والزاهد العابد الفضيل بن عياض):
* إن كان هذا الخلط ناتجاً عن الجهل وعدم التثبت: فهذه كارثة منهجية وأخلاقية تُسقط أهلية المتصدرين؛ كيف لمتصدرٍ للوعظ أو الفتوى أن ينقل في أمهات مسائل الدين والسياسة الشرعية دون أدنى تحقيق للمصادر والأسانيد؟
* وإن كان هذا النقل جرى عن عمدٍ وقصد: فهنا تقع المصيبة الكبرى؛ إذ يُنزع غطاء المصداقية والأمانة العلمية كلياً عن كل من كرر هذه الرواية ونسبها زوراً للإمام أحمد. فلم يعد التكرار مجرد خطأ عابر، بل مشاركة متعمدة في التزييف وتمرير الوهم.
لو علم القارئ الفاضل الجغرافيا التاريخية للعالمين المختلفة تماماً:
* ظرف الإمام أحمد: عاش محنة خلق القرآن الشهيرة، وتعرّض للسجن والجلد والبلاء على يد المأمون والمعتصم والواثق، ومع ذلك تثبت سيرة الإمام وحفظه للمنهج دون أن تُؤثر عنه هذه المقولة بتلك الصياغة ولم يخضع للحاكم.
* ظرف الفضيل بن عياض: كان يعيش في عصر الخليفة هارون الرشيد —وهو خليفة يُعرف بالغزو والحج والتعظيم للعلماء— ولم يكن الفضيل واقعاً تحت محنة أو سجن ولم يكن حتى ساكن بالقرب منه بل كان يسكن في مكة المكرمة ، فجاءت عبارته في سياق النصح الزاهد والحرص على صلاح الأمة بصلاح راعيها، لا في سياق التبرير للمعتدي.
وهنا تنكشف خطورة وظيفة «علماء السلاطين»؛ أولئك الذين يحرفون المقالات ويقتطعونها من سياقاتها الزمنية والمكانية. إنهم يمارسون هذا التحريف لحصد مكاسب دنيوية عاجلة، ونيل حظوة لدى أرباب السلطة، واقتطاع الأموال والصلات والمناصب. فتراهم يعمدون إلى مقولة قيلت في ظرفٍ معين ليرموا بها في وجه الأمة في ظرفٍ آخر، أو ينسبونها إلى إمامٍ صلبت قامته في المحن كالإمام أحمد، كي يُقنعوا الشعوب بالاستكانة والتسليم و الخنوع و الخضوع ، صانعين من اسم الإمام جسراً لشرعنة مصالحهم المالية والشخصية، إن الأمانة الدينية تقتضي ألا نقبل القول لمجرد أنه يعجبنا أو يُدغدغ سياقنا المعاصر. حين نسمع «قال الإمام فلان»، يجب أن يكون السؤال هل الدرس صورة من صور الخضوع للحاكم و عبادته من دون الله، فيجب البحث عن مصادره لان الثقة في كثير من الملتحين فقدت و الله المستعان.
