صمت الرداء الأسود: عندما يتراجع أصحاب "القانون" عن حماية الدستور
بريد ودك
أبو عبدالله X
٦ أغسطس ٢٠٢٦

صمت الرداء الأسود: عندما يتراجع أصحاب "القانون" عن حماية الدستور

تُقاس عظمة اصحاب المهن عندما يقفوا ف بوجه انحراف السلطات عن المبادئ، ولا توجد مهنة يرتبط وجودها بصون الحريات وحماية الحقوق كما هو الحال مع مهنة المحاماة. لكن ما تشهده الساحة القانونية الكويتية اليوم، من قرارات بسحب وإسقاط الجنسيات و تطبيق القانون بأثر رجعي، يثير علامات استفهام كبرى حول دور رجال القانون في حماية "الشرعية الدستورية".


لقد تحول المشهد القانوني الكويتي إزاء أزمة تعصف بالأمن الاجتماعي المستقر لآلاف الأفراد من موقف "المدافع الصلب عن قواعد العدالة" إلى حالة من الصمت والخذلان، بل إن بعض المحامين تجاوزوا الخذلان عبر تسويق حلول ترقيعية تمس كرامة القانون نفسه.

الأزمة في جوهرها: خرق صريح للمبادئ الدستورية والقانونية
إن خطورة ما يجري لا تكمن فقط في الإجراء في حد ذاته، بل في ضرب القواعد المستقرة التي قام عليها البنيان القانوني، والتي يفترض أن يكون المحامي أول من يذود عنها:
* تطبيق القوانين بأثر رجعي: من أركان دولة القانون استقرار المراكز القانونية. فالمركز القانوني المتشكل وفق قواعد استقرت لسنوات طويلة لا يجوز نسخها أو إلغاؤها بأثر رجعي يمتد لعقود. إسقاط أو سحب الجنسية بآليات تمتد لعقود سابقة يخالف المبدأ الدستوري المستقر بحظر تطبيق القوانين أو الإجراءات بأثر رجعي يمس الحقوق المكتسبة.
* شخصية العقوبة والمسؤولية الفردية: المبدأ الأصيل في كافة التشريعات المقارنة وفي الدستور هو "شخصية العقوبة"؛ حيث لا يُسأل شخص عن خطأ غيره، ولا يمتد أثر التجاوز القانوني إن وجد إلى الأقارب أو الأبناء. إن امتداد آثار سحب الجنسية لتشمل أفراد العائلة الذين اكتسبوا مراكزهم بقوة القانون بناءً على أوراق سليمة في حينها، يعتبر جرماً قانونياً يضرب مبدأ شخصية المسؤولية في مقتله.
* غياب الضمانات القضائية والعلانية: أبسط قواعد العدالة الناجزة تقتضي أن تُعرض القضايا التي تمس الحقوق الأهلية والشخصية على محاكم علانية وعادلة، تكفل للطرفين حق الدفاع وتقديم المستندات والطرق الإثباتية، بدلاً من الارتهان للقرارات الإدارية القطعية التي تحرم الفرد من حقه الأصيل في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي.
السقوط في الفخ: تسويق الهوان وإسقاط العدالة
إن الأشد إيلاماً في هذه الأزمة لم يكن مجرد صمت جمعيات النفع العام القانونية أو كبار المحامين، بل انحراف الخطاب القانوني لدى البعض؛ حيث تحول بعض المنتسبين لمهنة المحاماة إلى مروجين لحلول تهين الفكر القانوني ذاته.
بدلاً من تفكيك القرارات بنصوص الدستور والمطالبة بإعادة النزاعات إلى منصة القضاء الطبيعي، أخذ البعض يروج لإمكانية:
1. صمتهم أمام الإعلانات عن شراء جوازات (مثل دول الدومينيكان وشرق الكاريبي) كحل بديل لمن سُحبت جناسيهم!
2. إعلان البعض منعهم أن لديه طريقة لاسترداد بعض اشتراكات المتقاعدين في التأمينات الاجتماعية وكأن القضية أزمة تعويض مالي أو خروج من عقد تجاري، وليست سحباً للمواطنة والوجود القانوني للفرد.
3.
إن هذا الطرح يفرغ مهنة المحاماة من مضمونها الأخلاقي والقانوني، ويحول المحامي من "حارس للمبادئ" إلى "وسيط حلول إدارية" على حساب القواعد الدستورية الراسخة.

كلمة أخيرة: القضاء والدستور هما الملجأ
إن التغاضي عن المساس بالمبادئ القانونية المستقرة بحجة الظرف الراهن أو بحجة " طاعة ولي الأمر " و هي غير منصوص عليها لا دستوراً ولا قانونا بشكل واضح و صريح، فإن التغاضي يفتح باباً لا يمكن إغلاقه؛ فاليوم تمس المراكز القانونية في المواطنة، وغداً قد تمس في الملكية و الشرف.

إن المأمول من الجسد القانوني ليس الاصطفاف السياسي، بل الاصطفاف الأخلاقي و القيمي و القانوني مع الدستور. إن حماية العدالة تتطلب شجاعة قانونية لتأكيد أن الحقوق لا تُنتزع بقرارات مجردة دون ضمانات قضائية، وأن الردة عن المبادئ الدستورية هي الخطر الحقيقي الذي يهدد استقرار المجتمع ودولة المؤسسات.

ذاكرة الشعوب لا تنسى: أمانة الموقف ومسؤولية الوعي
ختاماً، إن الأزمات المفصلية هي الميزان الدقيق الذي يغربل الشعارات ويكشف حقيقة المبادئ. وعلى المجتمع أن يعي جلياً وأن يُدوّن في ذاكرته الحيّة أسماء كل محامٍ كان يملأ الميادين والمنصات حديثاً عن "دولة القانون" و"المبادئ الدستورية"، ثم ارتد إلى الصمت المريب حينما أصبحت تلك المبادئ على محك الاختبار الفعلي. كما يجب ألا تُنسى أسماء أولئك الذين انزلقوا إلى طرح الحلول الترقيعية وتبرير واقع سلب الحقوق، وتحويل أزمة هويات وكرامات إلى مجرد معاملات استثمارية أو تسويات مالية. إن كلا الصنفين—صنف الصامتين بحسابات الخوف أو المصالح، وصنف المتاجرين بالحلول الضعيفة—قد أثبتا عملاً أنهما لا يمكن أن يُؤتمنا مستقبلاً على وكالة شعب، ولا على حراسة حق، ولا على تمثيل مظلوم؛ فمن يفرّط في مبادئ العدالة عند المنعطفات الحسابية الحادة، لن يكون إلا حبراً على ورق عند أول امتحان قادم.
إلى أن تعود دولة الدستور، أرجوكم اصمتوا و كفى سخافة بالتباهي بصدور احكام لصالح موكليكم.