
موت كلاب السلطة وتوهّم مطالبة المظلوم بالعفو
في المقياس الشرعي دنو المنصب لا يعفي من المحاسبة ، فمن جعل من نفسه سوطاً في يد السلطة، يستبشر بآلام الضحايا ويتلذذ بهوانهم، يحسب أنه بمعزل عن العقاب. غير أن سنة الله ثابتة؛ ينعم بأوهام القوة إلى حين، حتى إذا جاء أجله، كان موته وانقضاء شره باب استراحة للعباد وفرجاً للمظلومين.
أولاً: مجاهرة العميل بالشماتة
عندما يتجاهر العميل الظالم بأذيته ويتشمت بالمضرورين، يصبح شره متعدياً وكرامة الناس تحت وطأة اعتداء مستمر. وهنا يجوز للمظلوم أن يرفع كفيه إلى السماء يدعو على من ظلمه بقدر مظلمته، بل إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
«اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»
ثانياً: وهم "الإلزام بالعفو" بعد موت الظالم
من المفاهيم الخاطئة والراسخة في السلوك الاجتماعي عند بعض الناس، أنه بمجرد سَماع خبر وفاة الظالم أو أزلامه، يُسارعون إلى المظلوم ويضغطون عليه بعبارات مثل: "اذكروا محاسن موتاكم" أو "الظالم أفضى إلى ما قدم فاعْفُ عنه"!
هذا التصرف يُعدّ في جوهره إهداراً ثانياً لكرامة المظلوم؛ إذ كيف يُطالَب الشخص الذي سُحقت كرامته، وأُوذِيَ علانية وتُشُمِّتَ بألمه، أن يتنازل فوراً بمجرد موت خصمه، دون أن يُردّ له حق أو يُعتذر إليه؟!
إن الإسلام جاء لصيانة كرامة الإنسان وحفظ حقوقه، ولم يفرض على المظلوم العفو فرضاً، بل جعل العفو مرتبة إحسان واختيار، وربطه بشرائط تحافظ على نبل القيمة ولا تجعلها استهانةً بالمظلوم.
و نستشهد بفتوى العلامة ابن عثيمين – العفو مشروط بالإصلاح والاعتذار
أوضح فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (رحمه الله) هذه المسألة بدقة وفقه عميق، حيث بين أن العفو المحمود والمشروع في الإسلام ليس مطلقاً، بل هو العفو الذي تترتب عليه مصلحة وتتحقق به الاستقامة، أما العفو الذي يؤدي إلى إهدار الحقوق أو التغاضي عن كرامة الإنسان دون اعتذار أو إصلاح، فليس مأموراً به.
بيان الفتوى ومعناها:
أشار الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في تفسيره لقوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: 40]، إلى أن الله تعالى اشترط في العفو أن يكون "إصلاحاً".
فإذا كان العفو يترتب عليه إصلاح الظالم (كأن يعتذر، أو يعترف بخطئه، أو يردّ الحقوق)، فهنا يكون العفو مستحباً ومأجوراً. أما إذا كان الظالم مجاهراً بظلمه، عاتياً في بغيه، ولم يعتذر ولم يندم في حياته، فإن مطالبة المظلوم بالعفو عنه لمجرد موته هي مطالبة بغير حق. فالمظلوم له كامل الحق في المطالبة بحقه يوم القيامة، ولا يُلام إن لم يعفُ، لأن في إجباره على العفو إهداراً لكرامته التي جاءت الشريعة لحمايتها.
فالموت لا يمحو حقوق العباد المادية والمعنوية تلقائياً، والظالم الذي لم يتب ولم يعتذر للمظلومين في حياته، يبقى حقه معلقاً بالقصاص العادل في الآخرة، ما لم يشاء المظلوم بذات نفسه وطيب خاطره أن يعفو.
خاتمة: صيانة الكرامة أولاً
إن استراحة العباد من الظالم المعلن وأدواته بموتهم هي نفحة عدل، وإن خيار العفو يظل حقاً أصيلاً للمظلوم وحده، لا يملك أحدٌ أن يسلبه إياه أو يمارس عليه ضغطاً اجتماعياً باسم الدين. فالإسلام دين العدل والكرامة، ولم يشرع العفو ليكون وسيلة لتبرئة الظلمة وإغفال آلام المظلومين.
